أحمد بن سهل البلخي
360
مصالح الأبدان والأنفس
والانحراف « 1 » بها عنه ؛ ليكسبه بذلك المنفعة التي تنال من جهتها ، ويجنّبه المضرّة التي تخاف من قبلها ، فيتوخّى أن يكون جلوسه ومبيته باللّيل في صميم الصيف بإزاء مهبّ الريح الشمال التي تهبّ من جهة القطب الشماليّ ، فإنّها ريح باردة تغيّر الحرّ المفرط ، وتردّه إلى ما يشاكل الاعتدال ، فينتفع من يستقبلها في ذلك الوقت بمسامتته لها ، ويكون ذلك عونا له على دفع أذى الحرّ وغائلته . وأمّا في الشتاء فيجعل مجالسه بإزاء مهبّ ريح الجنوب ؛ فإنّها ريح حارّة تسخّن ما يستقبلها إذا هبّت عليه ، وتكسر من شدّة البرد ، / فينتفع باستقباله « 2 » لها بمسامتتها انتفاعا ظاهرا . وأمّا في الفصلين « 3 » فيتوخّى بمجالسه أن تكون لريح الصبا إليها « 4 » مهبّ ، وهي التي تهبّ من قبل المشرق ؛ فإنّه ليس يحتاج في ذلك الوقت إلى تعديل الحرّ والبرد ، بل يحتاج إلى طيب النسيم ، وليس من الرياح شيء أطيب نسيما من الصبا ، وإنّما يحمد منها النسيم ، وهي الضعيفة الهبوب ، التي تحرّك الهواء تحرّكا بقدر « 5 » . فأمّا القويّة العاصفة منها ، المزعزعة للأشياء ، فليس يجب التعرّض لها ، وكذلك لشيء من الرياح الأخر إذا عصفت . وأكثر ما يوجد نسيم الصبا ، ويعرف طيبها في آخر اللّيل وقت السّحر ؛ فإنّها كثيرا ما تتحرّك في ذلك الوقت ؛ بسبب إقبال الشمس من ناحية المشرق ، وإنّ الذي يتقدّمها من الحرّ والضياء يسخّن الجوّ ، ويرقّق أجزاء الهواء من ناحية المشرق ، فتنبسط وتتبدّد وتحتاج إلى مكان أوسع ، فيحدث بذلك
--> ( 1 ) معطوفة على الاستقبال . ( 2 ) في أ ، ب : باستقبالها . والصواب ما أثبت . ( 3 ) أي : الربيع والخريف . ( 4 ) أي : إلى المجالس . ( 5 ) في أ ، ب : بقدر . والصواب ما أثبتّ .